صفة الحج المبرور
محاضرة شرعية
للشيخ الدكتور
عبدالعزيز بن فوزان الفوزان
28-11-1427هـ
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذي هدانا للإسلام وأذن لنا بحج بيته الحرام وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له الملك القدوس السلام وأشهد أن محمد عبده ورسوله سيد الأنام والهادي إلى سبل السلام صلى الله عليه وعلى أله وأصحابه البرررة الكرام ومن تبعهم بإحسان ما تعاقبت اليالي والأيام .
أيها الأحبة فى الله سلام الله عليكم ورحمته وبركاته ونسأل الله تعالى بأسمائه وصفاته أن يوفقنا لطاعته ومرضاته وأن يملأ قلوبنا بمحبته وخشيته ورجائه وأن يعيننا على ذكره وشكره وحسن عبادته وأن يجعلنا ممن يسارعون فى الخيرات وهم لها سابقون .
أيها الأحبة فى الله لقد جعل الله تعالى الكعبة البيت الحرام قياما للناس ،ومهو لأفئدتهم ومحطا لأنظارهم ،ومحلا لشوق المسلمين وحنينهم وقبلة لهم فى حياتهم وبعد مماتهم وفى هذه الأيام تتجه الأنظار وترنوا الأبصار وتنجذب الأفئدة وتشتاق النفوس المؤمنة إلى هذه البقعة المباركة التى رفع الله عزوجل شئنها وأعلى مكانتها وفرض على المسلمين زيارتها والوقوف بمشاعرها وعرصاتها، وضاعف أجر العمل فيها ،وميزها على سائر بقاع الأرضن وجعلها قبلة للمسلمين فى كل أنحاء العالم، وها هي قوافل الحجيج وطلائع وفود الرحمن تتقاطر على البيت العتيق من كل فج عميق، وتفد إليه من أصقاع الأرض البعيدة والقريبة، مئات الألوف من المسلمين بل الملايين تؤم هذا البيت الحرام، ترفعهم النجاد وتحطهم الوهاد وتحملهم السيارات والطائرات والسفن والباخرات، وتزدحم بهم الموانئ والمطارات يدفعهم الإيمان ويحدوهم الشوق والحنين ويحفزهم الأمل للفوز بالمغفرة والرضوان من الرحمن الرحيم، جاءوا تلبية لدعوة الله تعالى التى أذن بها الخليل صلى الله عليه وسلم منذ ألاف الأعوام كما قال الله عزوجل ({وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ }الحج27 {لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ }الحج28)
ومنذ إنطلقت تلك الدعوة المباركة من فم إبراهيم الخليل صلى الله عليه وسلم وحجاج بيت الله الحرام يتوافدون عليه كل عام ، لله در تلك الجموع المباركة وقد جاءت مهرولة إلى طاعة الله، راغبة فى ثوابه، خائفة من عقابه ،تعاهده سبحانه على الإلتزام بدينه والبعد عن معصيته ومخالفة أمره، لله درها وقد تجردت من ثيابها ولبست ثياب الإحرام وكأنها تخلع عنها ثياب العصيان والإجرام، وتعلن الإستجابة لله تعالى وترفع عقيرتها بنداء التوحيد وإخلاص العبادة لله وتجأروا بالتلبية إلى الله لبيك اللهم لبيك لبيك لاشريك لك لبيك إن الحمد والنعمة لك والملك لاشريك، وقد جعل الله عزوجل بيته الحرام قياما للناس، به تقوم أحوالهم الدينية والدنيوية فلولا وجود هذا البيت الحرام فى هذه الأرض وعمارته بالحج والعمرة والذكر والصلاة وأنواع التعبدات لأذن هذا العالم كله بالخراب، ولهذا كان من أمارات الساعة وأشراطها هدم هذا البيت بعد عمارته، وهجره بعد صلته وزيارته، لأن الحج والعمرة والركوع والسجود مبناها على التوحيد الذي هو أساس الدين وقاعدة الشريعة، فإذا نسي التوحيد هجر البيت وتركت الصلاة والحج والعمرة وسائر التعبدات ويدل ذلك على أن هذا البيت أقيم على التوحيد، وله أنه ما أن يدخل الحاج والمعتمر فى النسك حتى يرفع عقيرته مخلصا لله عزوجل بالتوحيد ومعنه الإنقياد له والإستجابة له وحده لا شريك له
قال جابر ابن عبدالله رضي الله عنه وعن أبيه وهويحكي حجة النبي صلى الله عليه وسلم( فأهل رسول الله صلى الله عليه وسلم بالتوحيد(يعني التلبية )) رواه مسلم.وذلك أن قول الملبي لبيك اللهم لبيك معناه أفعل هذا ياربي تلبية لأمرك وإستجابة لدعوتك، وطاعة لك وإجابة لك بعد إجابة في جميع الأحكام وعلى مر اليالي والأيام، فهذه التلبية فى حقيقتها إلتزام بالعبودية والتوحيد، وتكرير لهذا الإلتزام بطمائنينة نفس وإنشراح صدر وعقيدة صادقة لاشك فيها ولاريب بأن الواحد الأحد الذي يستحق العبودية وحده هو الله عزوجل لاشريك له، ثم يثبت له جميع المحامد سبحانه هذا هو حقيقة التوحيد الذي بني من أجله البيت وله أقيم قال الله عزوجل {وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَن لَّا تُشْرِكْ بِي شَيْئاً وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ }الحج26 فبتوحيد أقيم هذا البيت وعليه أسس من أول لحظة {أَن لَّا تُشْرِكْ بِي شَيْئاً )فهو بيت الله وحده دون سواه وهو محل عبادة الموحدين من الطائفين والقائمين والعاكفين والركع السجود ،فهؤلاء وحدهم هم الذين أنشئ لهم هذا البيت وليس لمن يشركون بالله ويتوجهون بالعبادة إلى من سواه لهذا كان من أوجب الواجبات على الحاج والمعتمر أن يحقق التوحيد لرب العالمين وأن يخلص عبادته من شوائب الشرك والبدع ومن الرياء والسمعه وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم حين أحرم بالحج أنه قال ( اللهم هذه حجة لارياء فيها ولاسمعه).
ومما يؤسف له حقا أيها الأحبة أن بعض من الحجاج هداهم الله ورزقهم البصيرة فى الدين يقعون فى الشرك الأكبر وهم لا يشعرون، تجدهم يستغيثون بأصحاب القبور ويدعون الأموات ويسألونهم قضاء الحاجات وتفريج الكربات وتحقيق المرغوبات سواء أكان هؤلاء المعبودين من الأنبياء أو الصالحين أو غيرهم ممن أتخذت قبورهم مزارات ومشاهد يطاف بها مع الأسف الشديد بل وينذر لها وتذبح لها القرابين والذبائح ويحلف بها وبأصحابها تعظيما لها ويعتقد فيها القدرة على الضر والنفع وتخاف وترجى والعجب من هؤلاء أنهم يبررون شركهم بالله وعبادتهم لاصحاب القبور بقولهم (مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى }الزمر3ويقولون ( هؤلاء شفعائنا عند الله) وهذا هو ما كان يدعيه المشركون الأول، الذين قالوا هذه المقولة وكرروها وإحتجوا بها فى الجاهلية الأولى
والشرك أيها الأحبة هو صرف شئ من العبادة لغير الله عزوجل ومن أعظم العبادات وأحبها إلى الله سبحانه الدعاء والإستغاثة والإستعانة فلا يجوز أن يدعى غير الله وأن لا يستغاث ويستعان بغيره فيما لايقدر عليه إلا الله سبحانه كما قال عزوجل ونحن نردده فى كل ركعة من ركعات الصلاة {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ }الفاتحة5 أي لانعبد إلا إياك ولا نستعين إلا بك وحدك ثم أمر سبحانه وتعالى عباده بسؤاله مباشرة من دون شفيع ولا واسطة فى أيات كثيرة من كتابه فقال سبحانه {وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ }غافر60.. وسمى الدعاء عبادة مما يدل على أنه من أعظم أنواع العبادة{ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ }غافر60.. وقال {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِي وَلْيُؤْمِنُواْ بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ }البقرة186 وكما أنه لايجوز لأحد أن يسجد لغير الله سبحانه فإنه لا يجوز له كذلك أن يدعوا غير الله أو أن يستغيث بغيره أو أن ينذر له أو يذبح له القرابين أو يرجوه أو يخاف منه إلا أن يكون الخوف والرجاء الطبيعي الذي لا ينفك الإنسان عنه فكل هذا من الشرك الأكبرالمخرج من الإسلام المحبط لصالح الأعمال الذي لايغفر لصاحبه ولا يدخل الجنة بسببه كما قال سبحانه (إِنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِاللّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللّهُ عَلَيهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ }المائدة72وقال سبحانه مخاطبا رسوله صلى الله عليه وسلم أحب الخلق إليه وأرفعهم مقاما عنده قال له {وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ }الزمر65 وحاشاه أن يشرك بالله صلى الله عليه وسلم وهو داعية التوحيد وإمامه لكن لو فرض هذا الشئ المستحيل أنه وقع من أفضل الخلق وأتقاهم لله وأكثرهم طاعة لله سبحانه وجهادا فى سبيله فإن شركه هذا يحبط جميع أعماله الصالحة ويدخل بسببه النار والعياذ بالله وبين سبحانه وتعالى فى أيات كثيرة من كتابه أن هؤلاء الأموات مهما بلغوا من الصلاح والإستقامة بل لوا كانوا من أولي العزم من الرسل فإنهم لايملكون لمن يدعوهم ويستغيثوا بهم ويستعينو بهم فى قبورهم ويذبحوا لهم ويطوفوا بقبورهم لا يملكون له مثقال ذرة فى السماء ولا فى الأرض لايملكون لأنفسهم فضلا عن غيرهم ضرا ولا نفعا ولا حياة ولا نشورا.
وبين سبحانه فى عدة أيات أنه لا أحد أظل وأخسر ولا أبخس بضاعة ولا أعظم غبنا ممن يدعوا هؤلاء الأموات الذين لايسمعون ولا ينفعون قال سبحانه {وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّن يَدْعُو مِن دُونِ اللَّهِ مَن لَّا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَومِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَن دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ }الأحقاف5 {وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاء وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ }الأحقاف6
أيها الأحبة إن الحج عبادة من أجل العبادات وهو أحد أركان الأسلام وقواعده العظام قال الله عزوجل (وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ الله غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ }آل عمران97 وقد أجمع المسلمون قاطبة على أن الحج ركن من أركان الأسلام وأن من تركه جاحدا لوجوبه فإنه كافر كفرا أكبر مخرجا من الملة والعياذ بالله قال ابن عباس رضي الله عنهما فى معنى هذه الأية (وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ الله غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ) أي ومن جحد فريضة الحج فقد كفر والله غني عنه وهذا بالإجماع أن من أنكر وجوب الحج ورأى أنه لا إثم عليه ولاممدوحة له فى تركه مع توفر شروط الوجوب فيه أنه كافر والعياذ بالله كفرا أكبر مخرج من الدين
لماذ؟ لان مقتضى جحده وإنكاره لوجوب الحج أنه ينكر كل أية وكل حديث يدل على فريضة الحج ووجوبه ومن أنكر أية من كتاب الله بل بعض أيه فهو كافر بإجماع الأمة، فكيف بمن ينكر كل الأيات وكل الأحاديث الصحيحة التي جائت دالة على وجوب الحج وفرضيته أما من تركه تهاون وكسلا وإيثارا للدنيا على الأخرة مع علمه بوجوب الحج وإقراره بذلك فإنه لاشك تارك لواجب من أعظم الواجبات ومرتكب لمنكر من أعظم المنكرات بل مبيقة من أشد المبيقات وهو على خطر عظيم ،وقد ذهب بعض العلماء إلى كفره والعياذ بالله وإن كان قول الجمهور وهو الأصح أنه لايحكم بكفره لكنه لاشك متوعد بالعذاب الشديد ونكال الأ ليم فى الأخرة.
والحج أيها الأحبة لايجب فى العمر إلا مرة واحدة بالنص وبالإجماع أم بالنص فحديث ابن العباس رضى الله عنهما قال خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال ( يا أيها الناس إن الله قد كتب عليكم الحج فحجوا ) فقام الأقرع ابن الحابس رضي الله عنه فقال افي كل عام يارسول الله قال: لو قلتها لوجبت ولما إستطعتم الحج مرة فمازاد فهوا تطوع) وعلى ذلك أجمع العلماء قاطبة أنه لايجب الحج إلا مرة واحدة .
والحج أيها الأحبة لا يجب إلا إذا توفرت شروطه الأربعة المعروفة وهي
1-الإسلام
2-العقل
3-البلوغ
4-الإستطاعة
ويضيف العلماء أيضا الحرية حينما يكون هناك رقيق
فهي خمسة شروط إذا لايجب الحج على الإنسان إلا إذا توفرت فيه هذه الشروط الأربعة المذكور الإسلام ،والعقل والبلوغو الإستطاعة وبناء عليه فالكافر لايجب عليه الحج بمعنى أنه لا يطالب بالحج حال كفره وليس معناه أنه لايأثم بترك الحج فإن الصحيح من قول العلماء إن الكفار مخاطبون بفروع الشريعة كما هم مخاطبون بأصل الدين وهم محاسبون على كل واجب تركوه، وعلى كل محرم فعلوه كما هم محاسبون على أصل الكفر والعياذ بالله كما قال الله عزوجل {مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ }المدثر42 {قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ }المدثر43 {وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ }المدثر44 {وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ }المدثر45 {وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ }المدثر46 فذكروا أن من الأسباب التي أوجبت لهم دخول النار ترك الصلاة وترك الزكاة وهما من فروع الإسلام وكذلك أصل الكفر فى قولهم {وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ }المدثر46 فكذلك الحج فليس معنا قولنا أن الكافر لايجب عليه أنه لاإثم عليه ولاممدحة له فى تركه بل هو أثم والعياذبالله بكل واجب ترك وكل محرم فعله ولهذا لايزداد الكافر بطول عمره إلا شرا والعياذ بالله لأنه كل يوم يمر عليه خمس صلوات مكتوبات لايصليها وكل سنة يمر عليه شهر رمضان الواجب لايصومه ويأتيه موسم الحج ولايحج
لهذا قال الله سبحانه مبين سوء حالة هؤلاء الكفار {وَلاَ يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِّأَنفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُواْ إِثْماً وَلَهْمُ عَذَابٌ مُّهِينٌ }آل عمران178 و النبي صلى الله عليه وسلم يقول ( خيركم من طال عمره وحسن عمله وشركم من طال عمره وساء عمله) فلا يزداد الكافر والعاصي المفرط فى جنب الله بطول العمر إلا سوء والعياذ بالله إلا أن يتداركه الله عزوجل بتوبة صادقة نصوح قبل أن يموت
الشرط الثاني العقل : فإن إن كان مجنونا فلايجب عليه الحج ولايصح منه أيضا لو حج أما كونه لايجب عليه الحج فلأنه مرفوع عنه قلم التكليف ويدل على ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم ( رفع القلم عن ثلاث عن الصبي حتى يبلغ وعن المجنون حتى يفيق وعن النائم حتى يستيقظ) فذكر منهم المجنون حتى يفيق أيضا لايصح منه الحج لو حج وهذه مسألة مهمة العقل شرط وجوب وشرط صحة أيضا كما أن الإسلام شرط وجوب وشرط صحة أيضا كونه شرط صحة لأن الحج عبادة لا تصح إلا بنية والنية لا تتأتى من المجنون فليس له عقل يعقل به العبادة وينويها ولهذا لو أبتلى الإنسان بقريب مجنون فلايجوز له أن يحججه معه لانه لايستفيد من حجه شيئا مع مايجده من التعب والمشقة بالحج وكذلك بالنسبة للصلاة والصيام وغيرها فلايجوز لهم أن يكره على الصوم فى رمضان وأن يمنع عنه الطعام والشراب ولا أن يكرهه على الحج مادام مجنونا
أيضا من الشروط البلوغ فإن كان الشخص دون البلوغ فلايجب عليه الحج للحديث السابق ( رفع القلم عن ثلاث عن الصبي حتى يبلغ وعن المجنون حتى يفيق وعن النائم حتى يستيقظ).لكن الصبي يصح منه الحج ولايغنيه عن حج الفريضة حتى لو كان الصبي فى المهد رضيعا بصح حجه ويؤجر عليه كما يؤجر على ذلك وليه لأنه سبب ذلك والمعين عليه ويدل لهذا حديث (المرأة التى رفعت صبيا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت يارسول الله ألهذا حج قال نعم ولكي أجره ) لكن هذه الحجة لا تغنيه عن حجة الإسلام إذا بلغ لقول النبي صلى الله عليه وسلم ( أيما صبي حج ثم بلغ الحنث فليحج حجة أخرى) وفى رواية ( فعليه أن يحج حجة أخرى ) والحديث رواه الإمام أحمد والبيهقي وصححه الأ لباني ولإن هذا الصبي الذي حج قبل بلوغه حاله كحال من صلى الصلاة المفروضة قبل دخول وقتها فلو دخل وقتها وبلغ وجب عليه أن يصليها لأنه أصبح مطالب بأدائها فى هذا الوقت
الشرط الرابع وهو مهم فهو الإستطاعة كما قال الله سبحانه (وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً }آل عمران97 الإستطاعة تكون بأمرين
الأول : أن يكون قادرا على الحج ببدنه
والثانية : أن يكون قادرا عليه بماله
فإن كان قادرا عليه ببدنه وماله فإنه يلزمه الحج بنفسه ولايجوز له أن ينيب شخصا يحج عنه بإجماع العلماء لا خلاف فى هذا، فى فرض الحج إذا كان الحج فريضة ولم يحج من قبل فلا يصح أن ينيب من يحج عنه وحتى فى النافلة الصحيح أن الإنسان إذا كان قادرا على أن يحج بنفسه لايجوز له أن ينيب من يحج عنه، لأن الحج عبادة تخصه فلا ينوب عنه فيها غيره ولأنه لم يرد عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا عن أحد من أصحابه أنهم كانوا ينيبون من يحج عنهم وهم قادرون على الحج بأنفسهم، إنما النيابة فى الحج فقط للعاجز عن الحج لمرض لا يرجى برءه أو لكبر سن أو لموت بحيث لايستطيع الإنسان الحج بعد ذلك ،إذا من كان قادرا على الحج ببدنه وماله فيلزمه أن يحج بنفسه ولا يجوز له أن ينيب من يحج عنه .
أما إن كان قادرا ببدنه لكنه فقيرا عاجزا عن الحج بماله فإن هذا لايجب عليه الحج ولو مات ولم يحج لأنه ظل فقيرا حتى مات فإنه لا إثم عليه ولا يقال إنه ترك ركنا من أركان الإسلام لأن هذا الركن لم يجب عليه وحاله حال من لم يزكي فى حياته قط لأنه لم يملك نصاب تجب فيه الزكاة لا يقال أنه ترك الركن الثالث من أركان الإسلام وهو الزكاة، إذا.. إذا عاش الإنسان فقيرا ليس عنده مال ومات فإنه لا إثم عليه، وإن كانت نيته صادقة أن يحج لو ترك المال فأرجوا أن يحصل له أجر الحج وهو لم يحج،
ولهذا قال العلماء لايشرع للفقير أن يستدين لأجل أن يحج،لأنه لم يجب عليه الحج أصلا ثم إذا إستدان من يضمن له أن يقدر على وفاء الدين قد يموت فى حجه وقد يعجز عن جمع المال بعد أن يعود لمرض أو فقر أو كساد تجارة أو غير ذلك فتبقى ذمته مشمولة بهذا الدين الذي ألزم به نفسه والله عزوجل قد أعفاه منه فلا يشرع له أن يستدين من أجل أن يحج، ولا يشرع له سؤال الناس أيضا وشحادتهم من أجل الحج، لإن الحج لم يجب عليه أصلا.
أما إذا جاءه مال من دون سؤال أو يسر الله عزوجل له الحج مع حملة ونحوها من تبرع منهم له فلا بأس فى ذلك وحجه صحيح إن شاء الله وكذلك لو طلب منهم أن يخدمهم فى الحج وجعل أجرته فى الخدمة هي أن يمكنه من الحج ويتحملوا تكاليفه عنه فهوا إن شاء الله مأجور متاب على ذلك.
أما من كان عاجزا عن الحج ببدنه لكنه قادرا عليه بماله مثل الكبير الذي لايقدر على الحج بسبب كبرسنه أو المريض مرض لايرجى برئه فهذا يجب أن ينيب من يحج عنه ويدفع له تكاليف الحج هذا إذا كان العجز مستمرا أن يكون به مرض لا يرجى برئه أما لمرض الطارئ الذي يرجى برئه فلا يجوز أن ينيب من يحج عنه بل ينتظر حتى يشفيه الله عزوجل ثم يحج عن نفسه من دون توكيل
ويشترط فيمن يحج عن غيره أن يكون قد حج عن نفسه، فإن حج عن غيره ولم يحج عن نفسه حج الفريضة فإن هذه الحج تكون للنائب وليس للمستنيب والدليل على ذك قول النبي صلى الله عليه وسلم لرجل سمعه يقول لبيك عن شبرمة قال من شبرمة قال أخ لي أو قريب لي قال أحججت عن نفسك قال : لا قال حج عن نفسك ثم حج عن شبرمة ..فجعل هذه الحج التي كان نواها ولبى بها لشبرمة جعلها له لأن هذا الشخص لم يحج عن نفسه، إذا لابد فيمن ينوب عن غيره فى الحج أن تتوفر فيه شروط الحج السابقة كلها من الإسلام والبلوغ والعقل وكذلك أن يكون قد حج عن نفسه أولا وينبغي أن يحرص المستنيب على إختيار من يعرف أحكام الحج وأن يكون من أهل الصلاح والديانة والأمانه لأن هذا أقرب للقبول وإلى أداء المناسك على الوجه الذي أمر الله عزوجل به ويجب على النائب أو الوكيل فى الحج أن يخلص النية لله تعالى وأن يقصد بنيابته عن غيره وحجه عن غيره وجه الله عزوجل والتعبد له سبحانه وتعالى فى تلك المشاعر المقدسة وأن يظفر بفضيلة الزمان والمكان والحال فما يقصد نفع أخيه المسلم وأن يأخذ المال منه ليحج لا أن يحج كي يأخذ المال أن يكون قصده بأخذ المال أن يتمكن الحج والوصول إلى تلك العرصات المقدسة لا أن يحج من أجل أن يحصل على المال ويجب عليه أن يؤدي المناسك على أكمل وجه يقدر عليه لأنه مؤتمن على ذلك
ومن الإستطاعة وهو شرط زائد على ماسبق من شروط وجوب الحج وجود المحرم بالنسبة للمرأة أن يوجد محرم يسافر معها للحج والمحرم للمرأة فى الحج وغيره هو زوجها وكل ذكر يحرم عليه نكاحها تحريما مؤبدا بقرابة أو رضاع أو مصاهرة فإن لم يتيسر لها محرم فإن الحج لايجب عليها بنفسها ولا يجوز لها أن تسافر لوحدها ولو كان الطريق مئمون ومع نساء تقات مئمونات ومع رفقة مئمونة وهذا هو الصحيح من قول العلماء وهو مذهب الحنابلة والحنفية خلافا للشافعية والمالكية لأن الشافعية والمالكية المشروع عندهم يرون أنه إذا تيسر لها رفقة مئمونة من النساء المئمونات يلزمها الحج
لكن القول الأول هو الأصح لانه هو الذي دل عليه صريح النصوص الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم فى الصحيحين وغيرهما وكما قال شيخ الإسلام رحمه الله (فإشتراط ما إشترطه الله ورسوله أحق وأوثق وحكمته ظاهرة فإن النساء لحم على وظم إلا ما ذب عنه) ثم يقول رحمه الله كلام غاية فى النفاسة( والمرأة معرضة فى السفر للصعود والنزول والبروز محتاجة إلى ما يعاندها ويمس بدنها تحتاج هي ومن معها من النساء إلى قيم يقوم عليهن وغير المحرم لا يؤمن ولو كان أتقى الناس فإن القلوب سريعة التقلب والشيطان بالمرصاد وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم ( ما خلى رجل بإمرأة إلا كان الشيطان ثالثهما ).هذا كلام شيخ الإسلام رحمه الله وهو كلام فى غاية التحقيق والنفاسة و يدلك على ما ذكره رحمه الله الأحاديث الصريحة عن النبي صلى الله عليه وسلم ومنها قوله صلى الله عليه وسلم ( لايحل لمرأة تؤمن بالله واليوم الأخر أن تسافر إلا مع ذي محرم ) والحديث فى الصحيحين ويقول صلى الله عليه وسلم كما في الصحيحين أيضا ( لا يخلو رجل بإمرأة إلا ومعها ذو محرم ولا تسافر المرأة إلا مع ذي محرم ) فقام رجل فقال يارسول الله إن إمرأتي خرجت حاجة وإني إكتتبت فى غزوة كذا وكذا فقال النبي صلى الله عليه وسلم إنطلق فحج مع إمرأتك ). هذا الرجل أصبح الجهاد واجب عليه لأنه إستنفر وكتب إسمه فى المجاهدين (وإذا إستنفرتم فإنفروا) لما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن إمرأته خرجت حاجة من غير محرم أمره بأن يترك الجهاد الواجب لشئ أوجب منه ألا وهو لمرافقة إمرأته ليكون محرم لها مما يدل على إشتراط المحرم فى الحج ففي غيره من الأسفار فمن باب أولى وأحرى و النبي صلى الله عليه وسلم فى هذا الحديث لم يستفصل هذا الرجل هل المرأة جميلة أم ذميمة هل هي شابة أم عجوزهل هي مع رفقة مأمونة أم غير مأمونة والقاعدة عند الفقهاء كما يقولون أن ترك الإستفصال فى مقام الإحتمال ينزل منزلة العموم فى المقال وبهذا نعلم أن سفرها بدون محرم وإن قال به بعض أهل العلم فإنه قول ضعيف مخالف للأدلة الصحيحة الصريحة وكما قال ابن المنذر رحمه الله وهو من الشافعية قال إنهم تركوا ظاهر النصوص الصحيحة وأجازوا سفرها بدون محرم لتعليلات ضعيفة
هذه أيها الأحبة شروط وجوب الحج وأعيدها من جديد
أولها الإسلام
والتاني : العقل
والثالث : البلوغ
والرابع: الإستطاعة ومن الإستطاعة وجود المحرم بالنسبة للمرأة
وقد إختلف العلماء رحمهم الله بالنسبة للمرأة التي لم تجد محرما هل عدم وجود المحرم الذي يسافر معها إلى الحج يمنع وجوب الحج عليها من حيث الأصل لأنها لم تستطع والله تعالى يقول (وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً }آل عمران97 فهي غير مستطيعة والحج غير واجب عليه ؟ أم أن وجود الحرم شرط لوجوب الأداء فإن تعذر وجود المحرم أو ماتت وهي لم تحج فهل يحج عنها من مالها لأنه وإن سقط عنها وجوب الأداء فيجب عليها الإنابة فى الحج؟؟ قولان فى المسألة
المشهور فى منهج الحنابلة وهو الرواية أيضا فى منهج الحنفية أنه لايجب عليها الحج ولو كانت تملك الملايين لايلزمها الحج بنفسها ولا أن تنيب غيرها ليحج عنها لأن الحج أصلا لم يجب عليها لأنها غير مستطيعة شرط الحج الأكبر قوله ( من إستطاع إليه سبيلا) ..
والقول الثاني فى المسألة وهو الأقرب للصواب والأحوط أنها إن كانت غنية وقادرة بمالها على الحج ولم يتوفر لها محرم وأيست من وجود محرم يسافر بها فإنها تنيب من يحج عنها وكذلك إذا ماتت ولها مال فإنه يحج عنها من مالها لأن الحج دين لله عزوجل فيقدم على الميراث
إذا توفرت الشروط السابقة التي ذكرت وجب على المكلف أن يبادر إلى الحج ولا يجوز له التسويف ولا التأخير فإن أخر لغير عذر كان أثما وعلى المستطيع من الأباء والأوالياء أن يحرصوا على تحجيج البالغين العقلاء من أولادهم وأهليهم لقول النبي صلى الله عليه وسلم (كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته ) وقول الله عزوجل {قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ }التحريم6 وصح عن عمر ابن الخطاب رضي الله عنه أن قال ( من أطاق الحج فلم يحج فلا عليه أن يموت يهوديا أو نصرانيا). وهذا الحديث وإن كان موقوفا على عمرفإن له حكم المرفوع إلى النبي صلى الله عليه وسلم لأن عمر لايمكن أن يجزم بمثل هذا من قبل نفسه رضي الله عنه وفى حديث أخر عنه أنه قال ( لقد هممت أن أبعث رجالا إلى هذه الأمصار فينظروا كل من له جذة * أي غنى وقدرة على الحج* أن يضربوا عليهم الجزية ماهم بمسلمين .. ماهم بمسلمين ) والحديث رواه سعيد ابن منصور فى سننه
ثم إنك أيها المسلم لاتدري ماذا يعرض لك من موت أو مرض أو شغل أو عارض يمنعك من أداء ما إفترض الله عليك ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم ( تعجلوا إلى الحج فإن أحدكم لايدري ما يعرض له ) حديث حسن رواه أحمد وغيره ومن فضل الله عزوجل علينا فى هذا الزمان خاصة من يعيشون فى هذا البلد المبارك ولله الحمد من المواطنين والمقيمين أن الله عزوجل يسر لنا مالم ييسره لمن سبقنا من سهولة الوصول إلى مكة وسرعته فقد تيسرت الأسباب وتذللت الصعاب ولله الحمد نفقات يسيرة ومراكب فارهة مريحة وأمن وارث وعيش رغيد وأيام قلائل قد لاتزيد عن أربعة أيام هي أيام الحج فيجب على المسلم أن يغتنم هذا الخير وأن يبادر لأداء ما أوجبه الله عزوجل عليه فى الحج هذه أيها الأحبة شروط الحج وهذا هو الواجب على المسلم إذا توفرت شروطه .
أما أركان الحج فهي أربعة أركان
الركن الأول : الإحرام
فلا يصح الحج بلا إحرام فلو ذهب الإنسان إلى الحج بثيابه ووقف بعرفة بثيابه وبات فى منى ومزدلفة وأدى مناسك الحج بثيابه وهو عالم بوجوب الإحرام فإن حجه لايصح إذا الركن الأول الإحرام والمقصود بالإحرام هو نية الدخول بالنسك وليس فقط مجرد لبس الثياب قد يلبس الإنسان الثياب وهو لم ينوي الحج لا يدري ما يعمل يفعله تقريبا بلا نيه فهذا لايصح حجه ولو لبس الثياب إذا لابد من الإحرام وهو لبس الثياب مع نية الدخول فى النسك ..
الركن الثاني : الوقوف بعرفة
لقول النبي صلى الله عليه وسلم ( الحج عرفة ) هذا هو أهم أركان الحج ولهذا قال العلماء من فاته الوقوف بعرفة . إنسان أحرم وجاء ليحج لكنه حصل له عارض وتأخر ثم طلع الفجر من اليوم العاشر وهو لم يقف بعرفة فقد فاته الحج وعليه أن يتحلل بعمرة وأن يحج من العام القادم
الركن الثالث: الطواف بالبيت ( طواف الإفاضة )
وهو ركن الحج الثالث لقوله عزوجل {ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ }الحج29الركن الرابع : السعي بين الصفا والمروة
هذه أركان الحج إذا تخلف منها ركن واحد سواء كان تخلفه بعذر أو من غير عذر فلا يصح الحج
أما واجبات الحج فهي سبعة واجبات
أولها : الإحرام من الميقات
يجب أن تنوي الدخول فى النسك فى المقيات والمواقيت المكانية التي وقتها النبي صلى الله عليه وسلم خمسة مواقيت كما فى حديث ابن عباس وغيره وهي كما قال
-وقت النبي صلى الله عليه وسلم لأهل المدينة ذو الحذيفة وهي التي مسمى الأن ( بأبيار علي ) وهل الأن إتصلت بالمدينة النبوية المشرفة وهي التي أحرم منها النبي صلى الله عليه وسلم فى حجة الوداع.
محاضرة شرعية
للشيخ الدكتور
عبدالعزيز بن فوزان الفوزان
28-11-1427هـ
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذي هدانا للإسلام وأذن لنا بحج بيته الحرام وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له الملك القدوس السلام وأشهد أن محمد عبده ورسوله سيد الأنام والهادي إلى سبل السلام صلى الله عليه وعلى أله وأصحابه البرررة الكرام ومن تبعهم بإحسان ما تعاقبت اليالي والأيام .
أيها الأحبة فى الله سلام الله عليكم ورحمته وبركاته ونسأل الله تعالى بأسمائه وصفاته أن يوفقنا لطاعته ومرضاته وأن يملأ قلوبنا بمحبته وخشيته ورجائه وأن يعيننا على ذكره وشكره وحسن عبادته وأن يجعلنا ممن يسارعون فى الخيرات وهم لها سابقون .
أيها الأحبة فى الله لقد جعل الله تعالى الكعبة البيت الحرام قياما للناس ،ومهو لأفئدتهم ومحطا لأنظارهم ،ومحلا لشوق المسلمين وحنينهم وقبلة لهم فى حياتهم وبعد مماتهم وفى هذه الأيام تتجه الأنظار وترنوا الأبصار وتنجذب الأفئدة وتشتاق النفوس المؤمنة إلى هذه البقعة المباركة التى رفع الله عزوجل شئنها وأعلى مكانتها وفرض على المسلمين زيارتها والوقوف بمشاعرها وعرصاتها، وضاعف أجر العمل فيها ،وميزها على سائر بقاع الأرضن وجعلها قبلة للمسلمين فى كل أنحاء العالم، وها هي قوافل الحجيج وطلائع وفود الرحمن تتقاطر على البيت العتيق من كل فج عميق، وتفد إليه من أصقاع الأرض البعيدة والقريبة، مئات الألوف من المسلمين بل الملايين تؤم هذا البيت الحرام، ترفعهم النجاد وتحطهم الوهاد وتحملهم السيارات والطائرات والسفن والباخرات، وتزدحم بهم الموانئ والمطارات يدفعهم الإيمان ويحدوهم الشوق والحنين ويحفزهم الأمل للفوز بالمغفرة والرضوان من الرحمن الرحيم، جاءوا تلبية لدعوة الله تعالى التى أذن بها الخليل صلى الله عليه وسلم منذ ألاف الأعوام كما قال الله عزوجل ({وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ }الحج27 {لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ }الحج28)
ومنذ إنطلقت تلك الدعوة المباركة من فم إبراهيم الخليل صلى الله عليه وسلم وحجاج بيت الله الحرام يتوافدون عليه كل عام ، لله در تلك الجموع المباركة وقد جاءت مهرولة إلى طاعة الله، راغبة فى ثوابه، خائفة من عقابه ،تعاهده سبحانه على الإلتزام بدينه والبعد عن معصيته ومخالفة أمره، لله درها وقد تجردت من ثيابها ولبست ثياب الإحرام وكأنها تخلع عنها ثياب العصيان والإجرام، وتعلن الإستجابة لله تعالى وترفع عقيرتها بنداء التوحيد وإخلاص العبادة لله وتجأروا بالتلبية إلى الله لبيك اللهم لبيك لبيك لاشريك لك لبيك إن الحمد والنعمة لك والملك لاشريك، وقد جعل الله عزوجل بيته الحرام قياما للناس، به تقوم أحوالهم الدينية والدنيوية فلولا وجود هذا البيت الحرام فى هذه الأرض وعمارته بالحج والعمرة والذكر والصلاة وأنواع التعبدات لأذن هذا العالم كله بالخراب، ولهذا كان من أمارات الساعة وأشراطها هدم هذا البيت بعد عمارته، وهجره بعد صلته وزيارته، لأن الحج والعمرة والركوع والسجود مبناها على التوحيد الذي هو أساس الدين وقاعدة الشريعة، فإذا نسي التوحيد هجر البيت وتركت الصلاة والحج والعمرة وسائر التعبدات ويدل ذلك على أن هذا البيت أقيم على التوحيد، وله أنه ما أن يدخل الحاج والمعتمر فى النسك حتى يرفع عقيرته مخلصا لله عزوجل بالتوحيد ومعنه الإنقياد له والإستجابة له وحده لا شريك له
قال جابر ابن عبدالله رضي الله عنه وعن أبيه وهويحكي حجة النبي صلى الله عليه وسلم( فأهل رسول الله صلى الله عليه وسلم بالتوحيد(يعني التلبية )) رواه مسلم.وذلك أن قول الملبي لبيك اللهم لبيك معناه أفعل هذا ياربي تلبية لأمرك وإستجابة لدعوتك، وطاعة لك وإجابة لك بعد إجابة في جميع الأحكام وعلى مر اليالي والأيام، فهذه التلبية فى حقيقتها إلتزام بالعبودية والتوحيد، وتكرير لهذا الإلتزام بطمائنينة نفس وإنشراح صدر وعقيدة صادقة لاشك فيها ولاريب بأن الواحد الأحد الذي يستحق العبودية وحده هو الله عزوجل لاشريك له، ثم يثبت له جميع المحامد سبحانه هذا هو حقيقة التوحيد الذي بني من أجله البيت وله أقيم قال الله عزوجل {وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَن لَّا تُشْرِكْ بِي شَيْئاً وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ }الحج26 فبتوحيد أقيم هذا البيت وعليه أسس من أول لحظة {أَن لَّا تُشْرِكْ بِي شَيْئاً )فهو بيت الله وحده دون سواه وهو محل عبادة الموحدين من الطائفين والقائمين والعاكفين والركع السجود ،فهؤلاء وحدهم هم الذين أنشئ لهم هذا البيت وليس لمن يشركون بالله ويتوجهون بالعبادة إلى من سواه لهذا كان من أوجب الواجبات على الحاج والمعتمر أن يحقق التوحيد لرب العالمين وأن يخلص عبادته من شوائب الشرك والبدع ومن الرياء والسمعه وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم حين أحرم بالحج أنه قال ( اللهم هذه حجة لارياء فيها ولاسمعه).
ومما يؤسف له حقا أيها الأحبة أن بعض من الحجاج هداهم الله ورزقهم البصيرة فى الدين يقعون فى الشرك الأكبر وهم لا يشعرون، تجدهم يستغيثون بأصحاب القبور ويدعون الأموات ويسألونهم قضاء الحاجات وتفريج الكربات وتحقيق المرغوبات سواء أكان هؤلاء المعبودين من الأنبياء أو الصالحين أو غيرهم ممن أتخذت قبورهم مزارات ومشاهد يطاف بها مع الأسف الشديد بل وينذر لها وتذبح لها القرابين والذبائح ويحلف بها وبأصحابها تعظيما لها ويعتقد فيها القدرة على الضر والنفع وتخاف وترجى والعجب من هؤلاء أنهم يبررون شركهم بالله وعبادتهم لاصحاب القبور بقولهم (مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى }الزمر3ويقولون ( هؤلاء شفعائنا عند الله) وهذا هو ما كان يدعيه المشركون الأول، الذين قالوا هذه المقولة وكرروها وإحتجوا بها فى الجاهلية الأولى
والشرك أيها الأحبة هو صرف شئ من العبادة لغير الله عزوجل ومن أعظم العبادات وأحبها إلى الله سبحانه الدعاء والإستغاثة والإستعانة فلا يجوز أن يدعى غير الله وأن لا يستغاث ويستعان بغيره فيما لايقدر عليه إلا الله سبحانه كما قال عزوجل ونحن نردده فى كل ركعة من ركعات الصلاة {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ }الفاتحة5 أي لانعبد إلا إياك ولا نستعين إلا بك وحدك ثم أمر سبحانه وتعالى عباده بسؤاله مباشرة من دون شفيع ولا واسطة فى أيات كثيرة من كتابه فقال سبحانه {وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ }غافر60.. وسمى الدعاء عبادة مما يدل على أنه من أعظم أنواع العبادة{ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ }غافر60.. وقال {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِي وَلْيُؤْمِنُواْ بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ }البقرة186 وكما أنه لايجوز لأحد أن يسجد لغير الله سبحانه فإنه لا يجوز له كذلك أن يدعوا غير الله أو أن يستغيث بغيره أو أن ينذر له أو يذبح له القرابين أو يرجوه أو يخاف منه إلا أن يكون الخوف والرجاء الطبيعي الذي لا ينفك الإنسان عنه فكل هذا من الشرك الأكبرالمخرج من الإسلام المحبط لصالح الأعمال الذي لايغفر لصاحبه ولا يدخل الجنة بسببه كما قال سبحانه (إِنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِاللّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللّهُ عَلَيهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ }المائدة72وقال سبحانه مخاطبا رسوله صلى الله عليه وسلم أحب الخلق إليه وأرفعهم مقاما عنده قال له {وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ }الزمر65 وحاشاه أن يشرك بالله صلى الله عليه وسلم وهو داعية التوحيد وإمامه لكن لو فرض هذا الشئ المستحيل أنه وقع من أفضل الخلق وأتقاهم لله وأكثرهم طاعة لله سبحانه وجهادا فى سبيله فإن شركه هذا يحبط جميع أعماله الصالحة ويدخل بسببه النار والعياذ بالله وبين سبحانه وتعالى فى أيات كثيرة من كتابه أن هؤلاء الأموات مهما بلغوا من الصلاح والإستقامة بل لوا كانوا من أولي العزم من الرسل فإنهم لايملكون لمن يدعوهم ويستغيثوا بهم ويستعينو بهم فى قبورهم ويذبحوا لهم ويطوفوا بقبورهم لا يملكون له مثقال ذرة فى السماء ولا فى الأرض لايملكون لأنفسهم فضلا عن غيرهم ضرا ولا نفعا ولا حياة ولا نشورا.
وبين سبحانه فى عدة أيات أنه لا أحد أظل وأخسر ولا أبخس بضاعة ولا أعظم غبنا ممن يدعوا هؤلاء الأموات الذين لايسمعون ولا ينفعون قال سبحانه {وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّن يَدْعُو مِن دُونِ اللَّهِ مَن لَّا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَومِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَن دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ }الأحقاف5 {وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاء وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ }الأحقاف6
أيها الأحبة إن الحج عبادة من أجل العبادات وهو أحد أركان الأسلام وقواعده العظام قال الله عزوجل (وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ الله غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ }آل عمران97 وقد أجمع المسلمون قاطبة على أن الحج ركن من أركان الأسلام وأن من تركه جاحدا لوجوبه فإنه كافر كفرا أكبر مخرجا من الملة والعياذ بالله قال ابن عباس رضي الله عنهما فى معنى هذه الأية (وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ الله غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ) أي ومن جحد فريضة الحج فقد كفر والله غني عنه وهذا بالإجماع أن من أنكر وجوب الحج ورأى أنه لا إثم عليه ولاممدوحة له فى تركه مع توفر شروط الوجوب فيه أنه كافر والعياذ بالله كفرا أكبر مخرج من الدين
لماذ؟ لان مقتضى جحده وإنكاره لوجوب الحج أنه ينكر كل أية وكل حديث يدل على فريضة الحج ووجوبه ومن أنكر أية من كتاب الله بل بعض أيه فهو كافر بإجماع الأمة، فكيف بمن ينكر كل الأيات وكل الأحاديث الصحيحة التي جائت دالة على وجوب الحج وفرضيته أما من تركه تهاون وكسلا وإيثارا للدنيا على الأخرة مع علمه بوجوب الحج وإقراره بذلك فإنه لاشك تارك لواجب من أعظم الواجبات ومرتكب لمنكر من أعظم المنكرات بل مبيقة من أشد المبيقات وهو على خطر عظيم ،وقد ذهب بعض العلماء إلى كفره والعياذ بالله وإن كان قول الجمهور وهو الأصح أنه لايحكم بكفره لكنه لاشك متوعد بالعذاب الشديد ونكال الأ ليم فى الأخرة.
والحج أيها الأحبة لايجب فى العمر إلا مرة واحدة بالنص وبالإجماع أم بالنص فحديث ابن العباس رضى الله عنهما قال خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال ( يا أيها الناس إن الله قد كتب عليكم الحج فحجوا ) فقام الأقرع ابن الحابس رضي الله عنه فقال افي كل عام يارسول الله قال: لو قلتها لوجبت ولما إستطعتم الحج مرة فمازاد فهوا تطوع) وعلى ذلك أجمع العلماء قاطبة أنه لايجب الحج إلا مرة واحدة .
والحج أيها الأحبة لا يجب إلا إذا توفرت شروطه الأربعة المعروفة وهي
1-الإسلام
2-العقل
3-البلوغ
4-الإستطاعة
ويضيف العلماء أيضا الحرية حينما يكون هناك رقيق
فهي خمسة شروط إذا لايجب الحج على الإنسان إلا إذا توفرت فيه هذه الشروط الأربعة المذكور الإسلام ،والعقل والبلوغو الإستطاعة وبناء عليه فالكافر لايجب عليه الحج بمعنى أنه لا يطالب بالحج حال كفره وليس معناه أنه لايأثم بترك الحج فإن الصحيح من قول العلماء إن الكفار مخاطبون بفروع الشريعة كما هم مخاطبون بأصل الدين وهم محاسبون على كل واجب تركوه، وعلى كل محرم فعلوه كما هم محاسبون على أصل الكفر والعياذ بالله كما قال الله عزوجل {مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ }المدثر42 {قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ }المدثر43 {وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ }المدثر44 {وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ }المدثر45 {وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ }المدثر46 فذكروا أن من الأسباب التي أوجبت لهم دخول النار ترك الصلاة وترك الزكاة وهما من فروع الإسلام وكذلك أصل الكفر فى قولهم {وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ }المدثر46 فكذلك الحج فليس معنا قولنا أن الكافر لايجب عليه أنه لاإثم عليه ولاممدحة له فى تركه بل هو أثم والعياذبالله بكل واجب ترك وكل محرم فعله ولهذا لايزداد الكافر بطول عمره إلا شرا والعياذ بالله لأنه كل يوم يمر عليه خمس صلوات مكتوبات لايصليها وكل سنة يمر عليه شهر رمضان الواجب لايصومه ويأتيه موسم الحج ولايحج
لهذا قال الله سبحانه مبين سوء حالة هؤلاء الكفار {وَلاَ يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِّأَنفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُواْ إِثْماً وَلَهْمُ عَذَابٌ مُّهِينٌ }آل عمران178 و النبي صلى الله عليه وسلم يقول ( خيركم من طال عمره وحسن عمله وشركم من طال عمره وساء عمله) فلا يزداد الكافر والعاصي المفرط فى جنب الله بطول العمر إلا سوء والعياذ بالله إلا أن يتداركه الله عزوجل بتوبة صادقة نصوح قبل أن يموت
الشرط الثاني العقل : فإن إن كان مجنونا فلايجب عليه الحج ولايصح منه أيضا لو حج أما كونه لايجب عليه الحج فلأنه مرفوع عنه قلم التكليف ويدل على ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم ( رفع القلم عن ثلاث عن الصبي حتى يبلغ وعن المجنون حتى يفيق وعن النائم حتى يستيقظ) فذكر منهم المجنون حتى يفيق أيضا لايصح منه الحج لو حج وهذه مسألة مهمة العقل شرط وجوب وشرط صحة أيضا كما أن الإسلام شرط وجوب وشرط صحة أيضا كونه شرط صحة لأن الحج عبادة لا تصح إلا بنية والنية لا تتأتى من المجنون فليس له عقل يعقل به العبادة وينويها ولهذا لو أبتلى الإنسان بقريب مجنون فلايجوز له أن يحججه معه لانه لايستفيد من حجه شيئا مع مايجده من التعب والمشقة بالحج وكذلك بالنسبة للصلاة والصيام وغيرها فلايجوز لهم أن يكره على الصوم فى رمضان وأن يمنع عنه الطعام والشراب ولا أن يكرهه على الحج مادام مجنونا
أيضا من الشروط البلوغ فإن كان الشخص دون البلوغ فلايجب عليه الحج للحديث السابق ( رفع القلم عن ثلاث عن الصبي حتى يبلغ وعن المجنون حتى يفيق وعن النائم حتى يستيقظ).لكن الصبي يصح منه الحج ولايغنيه عن حج الفريضة حتى لو كان الصبي فى المهد رضيعا بصح حجه ويؤجر عليه كما يؤجر على ذلك وليه لأنه سبب ذلك والمعين عليه ويدل لهذا حديث (المرأة التى رفعت صبيا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت يارسول الله ألهذا حج قال نعم ولكي أجره ) لكن هذه الحجة لا تغنيه عن حجة الإسلام إذا بلغ لقول النبي صلى الله عليه وسلم ( أيما صبي حج ثم بلغ الحنث فليحج حجة أخرى) وفى رواية ( فعليه أن يحج حجة أخرى ) والحديث رواه الإمام أحمد والبيهقي وصححه الأ لباني ولإن هذا الصبي الذي حج قبل بلوغه حاله كحال من صلى الصلاة المفروضة قبل دخول وقتها فلو دخل وقتها وبلغ وجب عليه أن يصليها لأنه أصبح مطالب بأدائها فى هذا الوقت
الشرط الرابع وهو مهم فهو الإستطاعة كما قال الله سبحانه (وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً }آل عمران97 الإستطاعة تكون بأمرين
الأول : أن يكون قادرا على الحج ببدنه
والثانية : أن يكون قادرا عليه بماله
فإن كان قادرا عليه ببدنه وماله فإنه يلزمه الحج بنفسه ولايجوز له أن ينيب شخصا يحج عنه بإجماع العلماء لا خلاف فى هذا، فى فرض الحج إذا كان الحج فريضة ولم يحج من قبل فلا يصح أن ينيب من يحج عنه وحتى فى النافلة الصحيح أن الإنسان إذا كان قادرا على أن يحج بنفسه لايجوز له أن ينيب من يحج عنه، لأن الحج عبادة تخصه فلا ينوب عنه فيها غيره ولأنه لم يرد عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا عن أحد من أصحابه أنهم كانوا ينيبون من يحج عنهم وهم قادرون على الحج بأنفسهم، إنما النيابة فى الحج فقط للعاجز عن الحج لمرض لا يرجى برءه أو لكبر سن أو لموت بحيث لايستطيع الإنسان الحج بعد ذلك ،إذا من كان قادرا على الحج ببدنه وماله فيلزمه أن يحج بنفسه ولا يجوز له أن ينيب من يحج عنه .
أما إن كان قادرا ببدنه لكنه فقيرا عاجزا عن الحج بماله فإن هذا لايجب عليه الحج ولو مات ولم يحج لأنه ظل فقيرا حتى مات فإنه لا إثم عليه ولا يقال إنه ترك ركنا من أركان الإسلام لأن هذا الركن لم يجب عليه وحاله حال من لم يزكي فى حياته قط لأنه لم يملك نصاب تجب فيه الزكاة لا يقال أنه ترك الركن الثالث من أركان الإسلام وهو الزكاة، إذا.. إذا عاش الإنسان فقيرا ليس عنده مال ومات فإنه لا إثم عليه، وإن كانت نيته صادقة أن يحج لو ترك المال فأرجوا أن يحصل له أجر الحج وهو لم يحج،
ولهذا قال العلماء لايشرع للفقير أن يستدين لأجل أن يحج،لأنه لم يجب عليه الحج أصلا ثم إذا إستدان من يضمن له أن يقدر على وفاء الدين قد يموت فى حجه وقد يعجز عن جمع المال بعد أن يعود لمرض أو فقر أو كساد تجارة أو غير ذلك فتبقى ذمته مشمولة بهذا الدين الذي ألزم به نفسه والله عزوجل قد أعفاه منه فلا يشرع له أن يستدين من أجل أن يحج، ولا يشرع له سؤال الناس أيضا وشحادتهم من أجل الحج، لإن الحج لم يجب عليه أصلا.
أما إذا جاءه مال من دون سؤال أو يسر الله عزوجل له الحج مع حملة ونحوها من تبرع منهم له فلا بأس فى ذلك وحجه صحيح إن شاء الله وكذلك لو طلب منهم أن يخدمهم فى الحج وجعل أجرته فى الخدمة هي أن يمكنه من الحج ويتحملوا تكاليفه عنه فهوا إن شاء الله مأجور متاب على ذلك.
أما من كان عاجزا عن الحج ببدنه لكنه قادرا عليه بماله مثل الكبير الذي لايقدر على الحج بسبب كبرسنه أو المريض مرض لايرجى برئه فهذا يجب أن ينيب من يحج عنه ويدفع له تكاليف الحج هذا إذا كان العجز مستمرا أن يكون به مرض لا يرجى برئه أما لمرض الطارئ الذي يرجى برئه فلا يجوز أن ينيب من يحج عنه بل ينتظر حتى يشفيه الله عزوجل ثم يحج عن نفسه من دون توكيل
ويشترط فيمن يحج عن غيره أن يكون قد حج عن نفسه، فإن حج عن غيره ولم يحج عن نفسه حج الفريضة فإن هذه الحج تكون للنائب وليس للمستنيب والدليل على ذك قول النبي صلى الله عليه وسلم لرجل سمعه يقول لبيك عن شبرمة قال من شبرمة قال أخ لي أو قريب لي قال أحججت عن نفسك قال : لا قال حج عن نفسك ثم حج عن شبرمة ..فجعل هذه الحج التي كان نواها ولبى بها لشبرمة جعلها له لأن هذا الشخص لم يحج عن نفسه، إذا لابد فيمن ينوب عن غيره فى الحج أن تتوفر فيه شروط الحج السابقة كلها من الإسلام والبلوغ والعقل وكذلك أن يكون قد حج عن نفسه أولا وينبغي أن يحرص المستنيب على إختيار من يعرف أحكام الحج وأن يكون من أهل الصلاح والديانة والأمانه لأن هذا أقرب للقبول وإلى أداء المناسك على الوجه الذي أمر الله عزوجل به ويجب على النائب أو الوكيل فى الحج أن يخلص النية لله تعالى وأن يقصد بنيابته عن غيره وحجه عن غيره وجه الله عزوجل والتعبد له سبحانه وتعالى فى تلك المشاعر المقدسة وأن يظفر بفضيلة الزمان والمكان والحال فما يقصد نفع أخيه المسلم وأن يأخذ المال منه ليحج لا أن يحج كي يأخذ المال أن يكون قصده بأخذ المال أن يتمكن الحج والوصول إلى تلك العرصات المقدسة لا أن يحج من أجل أن يحصل على المال ويجب عليه أن يؤدي المناسك على أكمل وجه يقدر عليه لأنه مؤتمن على ذلك
ومن الإستطاعة وهو شرط زائد على ماسبق من شروط وجوب الحج وجود المحرم بالنسبة للمرأة أن يوجد محرم يسافر معها للحج والمحرم للمرأة فى الحج وغيره هو زوجها وكل ذكر يحرم عليه نكاحها تحريما مؤبدا بقرابة أو رضاع أو مصاهرة فإن لم يتيسر لها محرم فإن الحج لايجب عليها بنفسها ولا يجوز لها أن تسافر لوحدها ولو كان الطريق مئمون ومع نساء تقات مئمونات ومع رفقة مئمونة وهذا هو الصحيح من قول العلماء وهو مذهب الحنابلة والحنفية خلافا للشافعية والمالكية لأن الشافعية والمالكية المشروع عندهم يرون أنه إذا تيسر لها رفقة مئمونة من النساء المئمونات يلزمها الحج
لكن القول الأول هو الأصح لانه هو الذي دل عليه صريح النصوص الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم فى الصحيحين وغيرهما وكما قال شيخ الإسلام رحمه الله (فإشتراط ما إشترطه الله ورسوله أحق وأوثق وحكمته ظاهرة فإن النساء لحم على وظم إلا ما ذب عنه) ثم يقول رحمه الله كلام غاية فى النفاسة( والمرأة معرضة فى السفر للصعود والنزول والبروز محتاجة إلى ما يعاندها ويمس بدنها تحتاج هي ومن معها من النساء إلى قيم يقوم عليهن وغير المحرم لا يؤمن ولو كان أتقى الناس فإن القلوب سريعة التقلب والشيطان بالمرصاد وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم ( ما خلى رجل بإمرأة إلا كان الشيطان ثالثهما ).هذا كلام شيخ الإسلام رحمه الله وهو كلام فى غاية التحقيق والنفاسة و يدلك على ما ذكره رحمه الله الأحاديث الصريحة عن النبي صلى الله عليه وسلم ومنها قوله صلى الله عليه وسلم ( لايحل لمرأة تؤمن بالله واليوم الأخر أن تسافر إلا مع ذي محرم ) والحديث فى الصحيحين ويقول صلى الله عليه وسلم كما في الصحيحين أيضا ( لا يخلو رجل بإمرأة إلا ومعها ذو محرم ولا تسافر المرأة إلا مع ذي محرم ) فقام رجل فقال يارسول الله إن إمرأتي خرجت حاجة وإني إكتتبت فى غزوة كذا وكذا فقال النبي صلى الله عليه وسلم إنطلق فحج مع إمرأتك ). هذا الرجل أصبح الجهاد واجب عليه لأنه إستنفر وكتب إسمه فى المجاهدين (وإذا إستنفرتم فإنفروا) لما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن إمرأته خرجت حاجة من غير محرم أمره بأن يترك الجهاد الواجب لشئ أوجب منه ألا وهو لمرافقة إمرأته ليكون محرم لها مما يدل على إشتراط المحرم فى الحج ففي غيره من الأسفار فمن باب أولى وأحرى و النبي صلى الله عليه وسلم فى هذا الحديث لم يستفصل هذا الرجل هل المرأة جميلة أم ذميمة هل هي شابة أم عجوزهل هي مع رفقة مأمونة أم غير مأمونة والقاعدة عند الفقهاء كما يقولون أن ترك الإستفصال فى مقام الإحتمال ينزل منزلة العموم فى المقال وبهذا نعلم أن سفرها بدون محرم وإن قال به بعض أهل العلم فإنه قول ضعيف مخالف للأدلة الصحيحة الصريحة وكما قال ابن المنذر رحمه الله وهو من الشافعية قال إنهم تركوا ظاهر النصوص الصحيحة وأجازوا سفرها بدون محرم لتعليلات ضعيفة
هذه أيها الأحبة شروط وجوب الحج وأعيدها من جديد
أولها الإسلام
والتاني : العقل
والثالث : البلوغ
والرابع: الإستطاعة ومن الإستطاعة وجود المحرم بالنسبة للمرأة
وقد إختلف العلماء رحمهم الله بالنسبة للمرأة التي لم تجد محرما هل عدم وجود المحرم الذي يسافر معها إلى الحج يمنع وجوب الحج عليها من حيث الأصل لأنها لم تستطع والله تعالى يقول (وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً }آل عمران97 فهي غير مستطيعة والحج غير واجب عليه ؟ أم أن وجود الحرم شرط لوجوب الأداء فإن تعذر وجود المحرم أو ماتت وهي لم تحج فهل يحج عنها من مالها لأنه وإن سقط عنها وجوب الأداء فيجب عليها الإنابة فى الحج؟؟ قولان فى المسألة
المشهور فى منهج الحنابلة وهو الرواية أيضا فى منهج الحنفية أنه لايجب عليها الحج ولو كانت تملك الملايين لايلزمها الحج بنفسها ولا أن تنيب غيرها ليحج عنها لأن الحج أصلا لم يجب عليها لأنها غير مستطيعة شرط الحج الأكبر قوله ( من إستطاع إليه سبيلا) ..
والقول الثاني فى المسألة وهو الأقرب للصواب والأحوط أنها إن كانت غنية وقادرة بمالها على الحج ولم يتوفر لها محرم وأيست من وجود محرم يسافر بها فإنها تنيب من يحج عنها وكذلك إذا ماتت ولها مال فإنه يحج عنها من مالها لأن الحج دين لله عزوجل فيقدم على الميراث
إذا توفرت الشروط السابقة التي ذكرت وجب على المكلف أن يبادر إلى الحج ولا يجوز له التسويف ولا التأخير فإن أخر لغير عذر كان أثما وعلى المستطيع من الأباء والأوالياء أن يحرصوا على تحجيج البالغين العقلاء من أولادهم وأهليهم لقول النبي صلى الله عليه وسلم (كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته ) وقول الله عزوجل {قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ }التحريم6 وصح عن عمر ابن الخطاب رضي الله عنه أن قال ( من أطاق الحج فلم يحج فلا عليه أن يموت يهوديا أو نصرانيا). وهذا الحديث وإن كان موقوفا على عمرفإن له حكم المرفوع إلى النبي صلى الله عليه وسلم لأن عمر لايمكن أن يجزم بمثل هذا من قبل نفسه رضي الله عنه وفى حديث أخر عنه أنه قال ( لقد هممت أن أبعث رجالا إلى هذه الأمصار فينظروا كل من له جذة * أي غنى وقدرة على الحج* أن يضربوا عليهم الجزية ماهم بمسلمين .. ماهم بمسلمين ) والحديث رواه سعيد ابن منصور فى سننه
ثم إنك أيها المسلم لاتدري ماذا يعرض لك من موت أو مرض أو شغل أو عارض يمنعك من أداء ما إفترض الله عليك ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم ( تعجلوا إلى الحج فإن أحدكم لايدري ما يعرض له ) حديث حسن رواه أحمد وغيره ومن فضل الله عزوجل علينا فى هذا الزمان خاصة من يعيشون فى هذا البلد المبارك ولله الحمد من المواطنين والمقيمين أن الله عزوجل يسر لنا مالم ييسره لمن سبقنا من سهولة الوصول إلى مكة وسرعته فقد تيسرت الأسباب وتذللت الصعاب ولله الحمد نفقات يسيرة ومراكب فارهة مريحة وأمن وارث وعيش رغيد وأيام قلائل قد لاتزيد عن أربعة أيام هي أيام الحج فيجب على المسلم أن يغتنم هذا الخير وأن يبادر لأداء ما أوجبه الله عزوجل عليه فى الحج هذه أيها الأحبة شروط الحج وهذا هو الواجب على المسلم إذا توفرت شروطه .
أما أركان الحج فهي أربعة أركان
الركن الأول : الإحرام
فلا يصح الحج بلا إحرام فلو ذهب الإنسان إلى الحج بثيابه ووقف بعرفة بثيابه وبات فى منى ومزدلفة وأدى مناسك الحج بثيابه وهو عالم بوجوب الإحرام فإن حجه لايصح إذا الركن الأول الإحرام والمقصود بالإحرام هو نية الدخول بالنسك وليس فقط مجرد لبس الثياب قد يلبس الإنسان الثياب وهو لم ينوي الحج لا يدري ما يعمل يفعله تقريبا بلا نيه فهذا لايصح حجه ولو لبس الثياب إذا لابد من الإحرام وهو لبس الثياب مع نية الدخول فى النسك ..
الركن الثاني : الوقوف بعرفة
لقول النبي صلى الله عليه وسلم ( الحج عرفة ) هذا هو أهم أركان الحج ولهذا قال العلماء من فاته الوقوف بعرفة . إنسان أحرم وجاء ليحج لكنه حصل له عارض وتأخر ثم طلع الفجر من اليوم العاشر وهو لم يقف بعرفة فقد فاته الحج وعليه أن يتحلل بعمرة وأن يحج من العام القادم
الركن الثالث: الطواف بالبيت ( طواف الإفاضة )
وهو ركن الحج الثالث لقوله عزوجل {ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ }الحج29الركن الرابع : السعي بين الصفا والمروة
هذه أركان الحج إذا تخلف منها ركن واحد سواء كان تخلفه بعذر أو من غير عذر فلا يصح الحج
أما واجبات الحج فهي سبعة واجبات
أولها : الإحرام من الميقات
يجب أن تنوي الدخول فى النسك فى المقيات والمواقيت المكانية التي وقتها النبي صلى الله عليه وسلم خمسة مواقيت كما فى حديث ابن عباس وغيره وهي كما قال
-وقت النبي صلى الله عليه وسلم لأهل المدينة ذو الحذيفة وهي التي مسمى الأن ( بأبيار علي ) وهل الأن إتصلت بالمدينة النبوية المشرفة وهي التي أحرم منها النبي صلى الله عليه وسلم فى حجة الوداع.
منقول